روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

90

مشرب الأرواح

وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ [ الأنبياء : 51 ] وقال : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ [ الشّورى : 52 ] فقال : * إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ( 33 ) [ آل عمران : 33 ] وقال : ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 4 ) [ الجمعة : 4 ] ، وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « لا يدخل الجنة أحد بعمله » « 1 » ، قيل : يا رسول اللّه ولا أنت ؟ قال : « ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » ، وقال الواسطي : ما أكرم شيئا إلا على الابتداء ولو أكرمه بعوض ما كان فضلا ، قال العارف رضي اللّه عنه : فضله ظهوره على عباده حتى عرفوه به لا بهم . الفصل الثالث والأربعون : في الفداء إذا فرح العارف ببديهة شهود العين ويكاد أن يطير من الفرح والأنس بمشاهدة الأزل يرجع إلى نفسه ويريد أن يفديها بين يدي اللّه سبحانه وتعالى لأنه لا يقدر على شيء غيرها فيذبح نفسه عن الدنيا والآخرة وما فيهما في منحر التوحيد وإفراد القدم عن الحدث ، لأن تحقيق المحبة في المشاهدة بذل الروح والنفس والدنيا والآخرة ، حيث تلعب فرسان ميادين التفريد برؤوسهم عند ضرب صولجان العشق على كرة الوجود لجلال رؤية الموجود القديم ولنيل مقام البر في الفتوة ، قال اللّه تعالى : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ آل عمران : 92 ] ، فلما رأى سبحانه غاية جهده في بذل الروح حيث لم تبق له الروح والنفس وما دونه في محل الفناء من صولة صدمة سطوة العزة حيث لا حيث أن كشف قدس القدس والقدم في السرمدية والأبدية في الأزلية يهب له روحا من أنوار كرم قدمه بنعت التجلي والتدلي بوصف مباشرة ظهور الصفة في سر سره حتى لا يبقى بروح بقائه ولا يفنى بعد ذلك أبدا ، قال اللّه سبحانه في وصف قربان خليله وما أفداه : وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ( 107 ) [ الصّافات : 107 ] ، من بلغ إلى هذه الرتبة صار غنيا باللّه وجب عليه أن يشتري أسرار الإرادة بكشف مقام الولاية ، قال اللّه تعالى : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ [ البقرة : 85 ] ، قال العارف رضي اللّه عنه : فداء النفس ترك الشهوات وفداء القلب ترك الكرامات وفداء العقل ترك الغفلات وفداء الروح ترك الكائنات وفداء السر رفع اللحظات عن المقامات .

--> ( 1 ) رواه الربيع بن حبيب الأزدي البصري في مسنده ، باب الآداب ، حديث رقم ( 736 ) [ 1 / 282 ] والطبراني في مسند الشاميين ، من طريق أرطأة عن أبي بشر ، حديث رقم ( 698 ) [ 1 / 402 ] ورواه غيرهما .